هشام جعيط
383
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
اليمني - القيسي غائبا تماما ، في حين أنه كان على أشدّه في سوريا والبصرة والجزيرة وخراسان . وسنرى أن ذلك عائد إلى أن اليمنية المناضلة لم تكن متطابقة مع اليمنية التاريخية ، وأنها كانت تخوض نضالات أخرى « 1 » . من جهة ثانية ، تظهر هذه المفارقة الزائفة هامشية القبائل اليمنية القديمة بالنسبة إلى الشكل الجديد للعروبة التي دخلت التاريخ بالإسلام ومع الإسلام . ومهما بلغت من كثافة الحضور في الكوفة ، فإنها لم تكن أكثرية فيها ؛ ومهما كان لهذا الحضور من إشعاع ثقافي ، فإنه لم يكسف محور ثقافة العروبة الشمالية . ومن هنا ارتباطها بالمسألة الشيعية ، وهو ارتباط ما لبث أن أخذ يزداد رسوخا ، وذلك بمقدار ما كان التشيّع يزداد تحوّلا إلى معارضة يائسة ، لا بل إلى ميثولوجيا . فهل هامشيتها هي التي دفعتها إلى تكثيف وجودها في الكوفة ، فساعدها نفوذها - كما يقول ماسينيون - على « تمدين العرق العربي » ؟ الثابت هو أن الكوفة تدين للحضور اليمني فيها ، بقدر كبير من أصالتها : وهي لا تدين لها بثقافتها ( الفقه ، التصوف ، اللغة ) بمقدار ما تدين لها بصبغتها الاجتماعية التي تمتاز بعروبة راسخة ، موغلة في القدم ، أرستقراطية ، وبمقدار ما تدين لها أيضا بحسّها التاريخي . وقد يكون ، في العمق ، أن من اليمن القديمة هذه ، استمدت الكوفة هامشيتها الحادة التي قادتها ببطء إلى الموت ، بعد أن كانت المركز الملتهب للإسلام في عصره الأول . III - اليمنيون وصراعاتهم السياسية 1 - المشكلة " الشيعية " : حاول ماسينيون ، في دراسته الملهمة عن الكوفة ، أن يحلل - كما يحلل المطياف الألوان - الألوان السياسية للقبائل والعشائر ، ولكن انطلاقا من خط فاصل محدد « 2 » . هذا الخط يفصل بين الجماعات تبعا لمعيار الارتباط والوفاء لقضية علي ، أو العكس . ويخلص ماسينيون إلى استنتاج مفاده أن اليمنيين مؤيدون للشيعة ، وأن ربيعة هي أيضا كذلك . أما قيس مضر فقد كانت معادية للشيعة بوضوح . وإذ ينهي ماسينيون عملية تحليل طيف الألوان السياسية ، يخلص إلى النتائج التالية :
--> ( 1 ) نوافق على ما يقول شعبان حول هذه النقطة : . Abbasid Revolution , p . 135 ( 2 ) Massignon , « Explication du plan de Ku ? fa » , Opera Minora , t . III , p . 59 .